السبت، 18 أغسطس 2018

حرف تحت المجهر (لشاعر عبد الرحمن بكري (عن نص الشاعر جرول بن اوس )بالعنوان عند المسافة صفر))

في إطار متابعة وصال لإبداعات روادها وشعرائها في برنامجها حرف تحت المجهر 
يسعدنا أن نقدم قراءة تحليلية في قصيدة ” عند المسافة صفر “ للشاعر جزول بن آوس ..

1/ استهلال 
يتميز النص الشعري ” عند المسافة صفر “ للشاعر جرول بن آوس في انسيابية المعنى وانتشائية المبنى ...في اختراق بديع للحواس والمشاعر .. واجتياح باسط نفوذه على مواقع المتعة والانبهار ..
يتفوق نصه الإبداعي في اختيار مفردات معجمه بعناية فائقة وكياسة بادية ..تلوح فيها حنكة الشاعر في بناء قصيده ..بفسيفساء تمنح امتدادات على مجرى البوح ، وتمتح من عمق شعري لشاعر عارف ، متأمل ، وعاشق .. فيخطها بلغته الشاعرية المتلفعة بإزار جمالية الذوق والإحساس ووتيرتها المتهدجة بين خصائص الكلمة وإيقاعها الداخلي .. 
وسنحاول في هذه القراءة تقريب المتلقي من كنز الدرر الملتف على حواشي القصيدة .. كلما لمع من بعيد ساعدنا في اقتفاء أثره ..كلما استطعنا إلى ذلك وصولا واقترابنا ..
2/ العنوان بين الدلالة اللغوية والعلاقة العضوية :
عنوان يتكون من ثلاث كلمات :  عند / المسافة / صفر /
في دلالتها اللغوية تبتدئ بظرف مكان مضاف.. ينقص من صورة الدال في شبه جملة في محل مبتدإ يكتمل معناه بخبر 
وبالتالي يكون الاهتمام منصب على المسافة والصفر ...
في علاقته العضوية ..سرعان ما يحتل ظرف المكان (عند) الدال صورة المركز في التحديد والتموضع وتتحول وظيفة شبه جملة  موقع الريادة  (مبتدأ ) ممتدة في حقول المعنى إلى خبر بنواة صلبة  في حسابات القصيدة.. ماذا يعني هذا الكلام ..؟
يعني أننا أمام حقول زلقة ..تستوجب تعاملا حذرا  كما تفرض ممارسة يقظة مع كل كلمة  بمحمل وتوجه عضوي داخل كل جملة شعرية ..
يبدو أن العنوان على صدر القصيدة  ” عند المسافة صفر “بنية مفصولة من سياق كلام سابق  لكنه يشكل امتدادات  في أخيلة الشاعر ..  اعتناق حد الهوس به .. يشكل الصفر في الدلالة ..عدم وخواء بداية نهائية في وجود ما  ..أو عودة عقارب الساعة  إلى بداية لحظة ما ...  هي تشكيل رقمي للتاريخ والوجود ..وتكون المسافة فراغ ..محدد في الصفر كبداية وجودية في تاريخ الحياة ..هنا تأخذ كلمة( عند ) دلالة المكان المقرون بشرط وتصير المعنى في المقاربة ... عندما تكون المسافة بين كل الأشياء ووجودها فراغ وعدم .. 
3/ عمق القصيدة بين استعادة المسافة ومسافة الدلالة
يستهل الشاعر قصيدته مستعملا عناصر الحواس
عيني بعينك ، أرتجي فيها خبر 
ليستلهم منها دافع الكتابة .. عين الشاعر بعين كاف المخاطب في محاذاة وفي نفس الموقع والمكان و... المسافة .!! لكن من هو هذا المخاطب هنا ؟ حبيبته ؟ جوابي بالنفي .. لو كان الأمر يتعلق بأنثى لقال : عيني في عينك بدلالة التوحد والتقابل والتواجه .. لكن هنا الأمر يتعلق إما بالذاكرة أو التاريخ بإحساس المسافة التي تشترك في خاصية الجملة الشعرية عيني بعينك ..وما يزيد من وجاهة مقاربتنا فيما سيأتي من الدلالات الكثيرة في القصيدة ..
في سعيه الحثيث لمعرفة وطلب الخبر أو الأخبار ..معترفا بتوهانه في كثرة الصور والأحداث المرتبطة بتاريخ موصوم بالأحزان والاوجاع .. 
وأرى خلالهما امتداد شواسع ..من يعني بالتثنية هنا خلالهما (الخبر والصور ) أم عيني بعينك  (الذاكرة والتاريخ ) ؟؟ ماذا يرى من خلالهما أمتداد مفرد شواسع بالجمع ؟ ! كأنها مسافة(تاريخ ) واحدة بفضاءات ( كتابات )كثيرة ..لذلك لم يقل امتدادات شاسعة ..
ليستجلي لنا الشاعر في معرض قصيدته تأريخا لبداية الأحزان والقهر في حكايات دينية  وقصص قديمة منذ آدم ويعقوب ويوسف ..وما تختزنه كل قصة وحكاية  في نهايتها من بوادر الفرح والخير ... وهذا ما تعبر عنه الجملة الشعرية 
فأرى بعينيها  وميضا غامضا 
نورا تشعشع مثل حبات المطر 
في مسافة الذاكرة والتاريخ ورغم أنقاض الحزن والدموع وويلات الضنك والقهر  ، تتراقص الفرحة وتهل عودة الأمل في اكتمال سنابل الخير ..
إلى أن تصل القصيدة 
فلتلق صمتك يا كليل فإنني 
قد ضقت مما هو يلوح إذ استتر
من يخاطب الشاعر هنا ؟ ومن هو هذا الشخص المشبع بصفة الضعف الذي يأمره بالصمت ..؟؟ لأن الشاعر يعتبر صوت هذا المنادى نفاقا :  فيعبر عن ضيقه بما يفصح عنه من خير  عما  يضمره في دواخله من قبح وشر .. كيف ينط صوت نشاز في نهاية القصيدة..
تختل معاني المسافة  في عمق القصيدة  هنا ..!! وترتج معها عناصر الدلالة والترابط  ..حتى جعلنا هذا المقطع الشعري نشعر بنوع من الإقحام والاختلال  مع تشكيلات انطلاقة النص وفي صيرورته  وفي تعبيراته من قلب مجازات اللغة وبنائيتها .. وشكل حاجزا في مسافة الدلالة ...ووحدة عضويتها ..

    ..............................    عبدالرحمن بكري ...............

عند المسافة صفر...

عيني بعينكَ، أرتجي فيها خبرْ

وأتوهُ فيها، في ملايينِ الصُّورْ

وأرى خلالهما امتدادَ شواسعٍ

ضمت من الأحزان ما جازَ القَهَرْ

من عهدِ آدمَ ثم يعقوبَ الذي
امتداد 
بكّى ليوسفَ فانتفى منه البصرْ

يوماً فيأتيهِ البشيرُ ببشره

علّي أرى الأفراحَ في مرمى النّظَرْ

فأرى بعينيها وميضاً غامضاً

نوراً تشعشعَ مثلَ حبات المطرْ

فلتلقِ صمتَكَ يا كليلُ فإنني

قد ضقت مما هُوْ يلوحُ إذِ استترْ

#جرول.
20180801

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهده